محاولاتٌ للاحتيال..!

Writers-are...

كثيراً جداً مؤخراً، أستمتع بصحبةِ نفسي.

يعني؟ أن ألجأ لمقهاي المفضّل (ميركاتو)، أقلّب القائمة باهتمام شديد كأنما سأختار طلباً جديداً فقط لترسو سُفُني عند فنجان القهوة بالبندق (الدوبل) الأبديّ، وأكاد أرى السأم منّي في عينيْ النادل هناك ناطقاً. أجلس للطاولة وأخرج من حقيبة كتفي الأثيرة (التابلت) رفيق الوحدة المخلص، لأطالع روايةً ما أو كتاباً غير أدبيّ – مع أخذ عشرات الملاحظات والهوامش لصنع جوّ من الاهتمام – أو أشاهدَ حلقةَ أنيمى أو أي فيديو معتّق ينتظر مشاهدتي، أو –غالباً- أكتب. أكتب رسالة لصديقٍ ما، يوميّة، خاطرةً سريعة، نفثاتٍ غاضبة أو حزينة أو بعض الخدوش على جدار الذاكرة، أكتب وأكتب، ألزم مكاني والكتابة في هدوء حتى أملّ.

وبنظرة ملولة/مهتمة أبعث نظري في الجالسين، فتيات مدارس أو جامعات يطلبن مشروبات الكريمة المخفوقة والشوكولا والكراميل الفارهة الملونة تلك، شباب بأعمار مختلفة يدرسون غالباً، فتيات أو فتيان ماليزيون يسرّون الناظرين دائماً.. ثم هناك ذلك الشابّ. يتغيّر الفرد دائماً لكن الجوّ هو هو، شاب يجلس وحيداً تماماً في ثياب داكنة منغلقة تليق بمن يرغب في حاجزٍ عزلة شفاف يفصله عن العالم، يجلس إلى تابلت أو لاب توب أو كتاب أو حتى خالياً، إلى فنجان قهوة أو مشروب حلو آخر، يتأمل لا شيء بنظرة زجاجيّة. صورة مثاليّة لمكتئب يحاول إخراج نفسه من حالته ب(دعوة نفسه لمشروب لطيف في مكان هادئ).

أنظر إليه، أستوحش وتتقلّص أعماقي وأنفر. هل قد يصل الانعزال والوِحدة بأحدهم إلى هذا الحد؟ أن يضطرّ – أو يرغب- في الجلوس وحيداً يحاول أن يمارس وحيداً أي نشاط يصلح عادةً لمجموعة؟ ألا يبدو بائساً جداً قاتماً ذابلاً جداً، مُحزِناً جداً كطفلٍ يتيم يجرّد على دُبّه اللعبة شخصيّة ولغة وأفكاراً ويتحدّث إليه في شغف ويلعب معه؟ المنظران يبعثان في نفسي نفس الشعور، وإلى عينيّ نفس شبح الدموع..

 

ثم فجأة أتذكّر أنني –بهذه النظرة- إنما أنظر إلى نفسي في مرآة مجسّدة! أخرِسُ أفكاري في خجل، أفتعل السرور بما أفعل وأختلق مقالاً ذهنيّاً عن فوائد الوحدة وحلاوتها وجمالها وأن الوحيدين والعُزّاب دائماً لديهم ما ليسَ للمجتمعين.. ثم أنتحر ذهنيّاً وأعيد بعثي، وأنتحر وأبعث وأنتحر وأبعث..

 

محمد..

Advertisements

رسالةٌ من الوطواط: عن حِيَل الوحدة، والملك وحصانه!

Batman_Joker_by_monkeyman98

عزيزي المَلِك/

انتزعتُ لنفسي حقّ الرد وبضع لحظات من عمر جسدك، لأردّ على رسالتيك السّابقتين.

تحدّثتَ إليّ كجنديٍ هارب من الحرب، وأتحدّث أنا كموظفٍ سابق عجوز على مقهى المعاشات ينصح في وقار شاباً أهوج متبرّماً. حقيقةً سعيدُ بأنني لك أكثر من مجرد دمية محشوّة كما كدت تَصِفُني، ومعجب كثيراً بعلاقة (باتمان/الجوكر) فيما بيننا.. غير أن هذا يعني أنك أنت (الجوكر)، وإلا ما أنا؟ غير أنك لستَ (جوكر) تماماً، وأنا وأنت نعلم. لذا فأفضلُ أن نسميها علاقة (الملك وحِصانِه).

 

تعرفُ أن الملك ملك طالما يسيطرُ تماماً على حصانه الأسودِ القويّ، بينما إذا نَطَر الحِصان الملك في نوبة هياج، صار الملكُ ضحيّة أخرى تحت حوافر حصانه الجامح، خلاص، ما من قوّة ولا مُلْك. فاستمتع ما استطعتَ بدورك أيّها المَلِك..

 

ذكرت صواباً أنني أتضخّم. هي تلك الرابطة التساهميّة بيننا يا صاحب السّعادة، أنا أعينكَ على التّراقص مع عواصف قلقك وموجاتك السلبيّة وعبورها بأقلّ ضرر –ظاهري-، وأنت تغذّيني عن طيب خاطرٍ بإرخاء العنان وتظاهرك أنّك ما تزال تسيطر على الحِصان. الحقيقة لا أمانع ولستُ أخسرُ شيئاً، لستُ ضعيفاً مثلك وبعض المساعدة أقرضها لك لن تنقصني شيئاً، وربما هي مكسب مستقبليّ.. كما ترى.

 

أتابعُ بشغف حِيلك للتغلّب على وحدتك بينما تواجه. مدهش! تضع الخطط ببراعةٍ وتنظّم تحرّكاتك، تحادث نفسك تؤنسها أغلب الوقت وتتشاجرُ معها أحياناً أملاً في اكتساب قوّة لا طرف لي فيها، تنتزع لنفسك ضحكة أو لحظة متعة هنا وهناك، تقدّم المساعدة للغير رغبةً في بعض الرضا عن النفس والاكتمال بما تعطي، وتطلبُ المساعدة كثيراً من رفاقك. لا بأس. أحبّ حيل الوحدة تِلك، محاولاتك للسيطرة عليّ والاستغناء عنّي.

لكن، في نهاية اليوم لن تجد سواي داخلك، أخوض معاركك العاجزة وأقتل خصومك، وأحمي من تعجزُ أنتَ عن حمايته، وأستمع لموسيقاك ووحدي أفهمها ووحدي أتقوّى بها. وهل تعلم؟ أنت أحمق حتى لا تدرك أن كلّ ما تفعل إنما يقوّيني أنا وحدي، ولا يمنحك من القوّة سوى الفتات. تفعل كل ذلك وأنا وأنت نعلم تماماً أنك ما تزال وحيداً، قلقاً، موجوعاً، خائفاً وجائعاً للمزيد وغير راضٍ، وغيرَ مفهوم..!

كلّ حالةٍ من عدم الفِهم –يا جلالة الملك!- هي شكلٌ ما من (نَفْي وجودك)، اقتطاع من حيّز وجودك أنت، تصغير حقيقيّ لك وتضخّم سرطانيّ لي أنا.

 

لم أرسل لك اليوم لتقديم حلول، هذا إنذارٌ فقط. ليس لأنني أحبّك ولا أحبّ وجودك، لكنني أكره المَلِكَ الضعيف. أنا ثائرٌ بطبعي، لا أتصالح مع الضعفِ بالمرّة.. ونافدُ الصبر ونفاد صبري يصيبك أنت، يشوّهك أنت، يحوّلك إلى (جوكر)، مسخٌ حقيقي يتظاهر بأنه مضحك. وضعت أمامي خيار عقد هدنةٍ مشروطة، والملوكُ لا تعقد هدنة مع الأحصنة والأحصنة لا تحب سوى الأقوياء، فأوجد لنفسك حلّاً آخر.

 

نعم، صدقت، ربما سيقتلُ أحدنا الآخر يوماً ما، وكما أنت الآن سيكون أنا بلا شكّ.. لكن إن قضيتَ عليّ إلى الأبد، لا تنسَ أن تأخذ سيفي. ستستعمله من حينٍ لآخر. ذلك هو الشيء الوحيد الذي قد أعلّمك إياه وأورّثه لك.

 

حصانك –حتى الآن-، “الوطواط”.