رسالةٌ من الوطواط: عن حِيَل الوحدة، والملك وحصانه!

Batman_Joker_by_monkeyman98

عزيزي المَلِك/

انتزعتُ لنفسي حقّ الرد وبضع لحظات من عمر جسدك، لأردّ على رسالتيك السّابقتين.

تحدّثتَ إليّ كجنديٍ هارب من الحرب، وأتحدّث أنا كموظفٍ سابق عجوز على مقهى المعاشات ينصح في وقار شاباً أهوج متبرّماً. حقيقةً سعيدُ بأنني لك أكثر من مجرد دمية محشوّة كما كدت تَصِفُني، ومعجب كثيراً بعلاقة (باتمان/الجوكر) فيما بيننا.. غير أن هذا يعني أنك أنت (الجوكر)، وإلا ما أنا؟ غير أنك لستَ (جوكر) تماماً، وأنا وأنت نعلم. لذا فأفضلُ أن نسميها علاقة (الملك وحِصانِه).

 

تعرفُ أن الملك ملك طالما يسيطرُ تماماً على حصانه الأسودِ القويّ، بينما إذا نَطَر الحِصان الملك في نوبة هياج، صار الملكُ ضحيّة أخرى تحت حوافر حصانه الجامح، خلاص، ما من قوّة ولا مُلْك. فاستمتع ما استطعتَ بدورك أيّها المَلِك..

 

ذكرت صواباً أنني أتضخّم. هي تلك الرابطة التساهميّة بيننا يا صاحب السّعادة، أنا أعينكَ على التّراقص مع عواصف قلقك وموجاتك السلبيّة وعبورها بأقلّ ضرر –ظاهري-، وأنت تغذّيني عن طيب خاطرٍ بإرخاء العنان وتظاهرك أنّك ما تزال تسيطر على الحِصان. الحقيقة لا أمانع ولستُ أخسرُ شيئاً، لستُ ضعيفاً مثلك وبعض المساعدة أقرضها لك لن تنقصني شيئاً، وربما هي مكسب مستقبليّ.. كما ترى.

 

أتابعُ بشغف حِيلك للتغلّب على وحدتك بينما تواجه. مدهش! تضع الخطط ببراعةٍ وتنظّم تحرّكاتك، تحادث نفسك تؤنسها أغلب الوقت وتتشاجرُ معها أحياناً أملاً في اكتساب قوّة لا طرف لي فيها، تنتزع لنفسك ضحكة أو لحظة متعة هنا وهناك، تقدّم المساعدة للغير رغبةً في بعض الرضا عن النفس والاكتمال بما تعطي، وتطلبُ المساعدة كثيراً من رفاقك. لا بأس. أحبّ حيل الوحدة تِلك، محاولاتك للسيطرة عليّ والاستغناء عنّي.

لكن، في نهاية اليوم لن تجد سواي داخلك، أخوض معاركك العاجزة وأقتل خصومك، وأحمي من تعجزُ أنتَ عن حمايته، وأستمع لموسيقاك ووحدي أفهمها ووحدي أتقوّى بها. وهل تعلم؟ أنت أحمق حتى لا تدرك أن كلّ ما تفعل إنما يقوّيني أنا وحدي، ولا يمنحك من القوّة سوى الفتات. تفعل كل ذلك وأنا وأنت نعلم تماماً أنك ما تزال وحيداً، قلقاً، موجوعاً، خائفاً وجائعاً للمزيد وغير راضٍ، وغيرَ مفهوم..!

كلّ حالةٍ من عدم الفِهم –يا جلالة الملك!- هي شكلٌ ما من (نَفْي وجودك)، اقتطاع من حيّز وجودك أنت، تصغير حقيقيّ لك وتضخّم سرطانيّ لي أنا.

 

لم أرسل لك اليوم لتقديم حلول، هذا إنذارٌ فقط. ليس لأنني أحبّك ولا أحبّ وجودك، لكنني أكره المَلِكَ الضعيف. أنا ثائرٌ بطبعي، لا أتصالح مع الضعفِ بالمرّة.. ونافدُ الصبر ونفاد صبري يصيبك أنت، يشوّهك أنت، يحوّلك إلى (جوكر)، مسخٌ حقيقي يتظاهر بأنه مضحك. وضعت أمامي خيار عقد هدنةٍ مشروطة، والملوكُ لا تعقد هدنة مع الأحصنة والأحصنة لا تحب سوى الأقوياء، فأوجد لنفسك حلّاً آخر.

 

نعم، صدقت، ربما سيقتلُ أحدنا الآخر يوماً ما، وكما أنت الآن سيكون أنا بلا شكّ.. لكن إن قضيتَ عليّ إلى الأبد، لا تنسَ أن تأخذ سيفي. ستستعمله من حينٍ لآخر. ذلك هو الشيء الوحيد الذي قد أعلّمك إياه وأورّثه لك.

 

حصانك –حتى الآن-، “الوطواط”.

Advertisements

فكاهة قاتلة.. (رسالة إلى الوطواط)

killingjoke

عزيزي (الوطواط)..

لأقرّب لعقلكَ المعقّد المحصّن الصورة، أكتب إليك الآن كجنديّ في حربٍ عالميّة يختبئ خلف جِدارٍ في أطلال منزل متهدّم، ليكتبَ مذكّراته عن شناعة الحرب، أو رسالةً سريعة يائسة إلى أهله، علّ هذه أو تلكَ يصلان لأحدهم فينقذه أو يتذكّره ويبني له شاهد قبر يليقُ ببطلِ حرب.

كما في سابق حديث، ما يزال القلق حولنا في الجوّ يعصف بي ولا يكاد يهزّك، وهل تعرف؟ وجودك هذه الأيّام وتضخّمك يفعلان بي مفعول المهدّئ القوي، أتراقص مع العاصفة في براعةٍ تدهشني. هل ستبقى معي طويلاً وأضطر لاحتمال الآثار الجانبيّة لتضخّم الإيجو لديك؟ أم تدعني أتعلّم منك ما ينفعني ونقعد هدنة أبديّة ما؟

 

أصارع –يا صديق- التراكمات والتناقضات، تناقضات تعرض نفسها أمام عينيّ وتصل إلى ما أكتب وفيما أفكّر أحياناً، فيراني غيري مجنوناً أو مخلوقاً عجيباً ما، تناقضات بين الحريّة والتحفّظ، بين الثبات كالصخور والفزع والبكاء كطفل، بين عشق الوحدة والاستمتاع بالصّحبة، بين صخب الموسيقى وهدوئها. تراكمات تظهر أعراضها الجانبيّة في أوقات التحفظ والوحدة والهدوء.

جميل، أليسَ كذلك؟ ذلك الوجع الذي يَشْرُطُ قلوبنا في طَلْعِةِ كُل شمس، كمنبّه الصباح يذكّرنا بدايات ومولدَ الألمِ الأول، وبداية كُلّ شيء. تعرفه جيّداً يا (وطواط).. كنت معي في هذا وذاك.

 

هناك كذلك تلك الإرادة الملحّة بإزعاج، في دوام التجديد والاستثارة، حتى صرتُ أكره مجرّد تكرار ما قلتُ لمن لم يسمع، ومهما كان السبب، وصرتُ أكره تكرار النصح لأحدهم، وغير ذلك. للرّوتينية قوّة خارقة كما تعلم.

 

أعودُ اليوم لسماع (بريكنج بنجامين) بينما أنهي خطابي معك. لطالما كانوا الأفضل لأوقات الكتابة العسيرة تلك. الكاتب الذي يحترم نفسه بحاجةٍ لبعض غموض وغرابة كلماتهم، وبعض الشّغف في أوتارهم.. وبحاجة لإحساس (الفوبيا) المنتشر في بعض أغنياتهم. أنت تفهمني بالتأكيد، (بنجامين) كانوا سبباً في وجودك أصلاً وأحد مصادر قوّتك.

 

(وطواط)، حاجتنا لبعضنا لا تُنْكَر، لكن علاقتنا صارت مؤلمة بما يكفي يا صديق، ويوماً ما سيقتلُ أحدنا الآخر. تماماً كما قال (باتمان) لـ(الجوكر) في تلك القصّة المصوّرة إياها. فكاهة قاتلة هي يا صديق، صحيح؟

 

Breaking Benjamin – So Cold

 

محمد..

قراءةٌ في (نظريّة اللّعبة): عن النظريّة.. والقلم.. والثورة!

قطعاً سيبدو لك (نظرية اللّعبة) مبدئياً كتاباً فكريّاً، سياسياً أو اقتصادياً، وأبعد احتمال سيتبادر لذهنك -ربما كما حدث معي- أنه مجموعة قصصية، وأنه (كثيرٌ من الأشياء التي لم أتوقّعها بالمرّة). هو مجموعةٌ قصصيّة للقاصّ الفلسطينيّ (خالد عودة الله)، وهو كما ستحد في بحثك على الشّبكة في الأساس باحث في العلوم الاجتماعيّة! وأن كتابه 64 صفحة فقط، حتى أنني أعدتُ التأكّد من عدد الصفحات ظناً أن هناك مشكلة في نسختي! وأن هذه المجموعة هي أوّل أعماله الأدبية المنشورة! وكلّ هذا كان عنصر مفاجأة مهمّ، فهي -على كلّ ما سَبَق- مجموعة ذات جودةٍ عاليةٍ بالفعل، أدبيّاً، أسلوبيّاً وموضوعيّاً وتستحقّ أن نفرد لها حيّزاً كبيراً من الاهتمام..

19540209

الطبعة التي بين يديّ هي طبعة متميّزة للكتاب في العام 2014 من (دار مدارات للأبحاث والنّشر) المصريّة وصلتني منهم بالبريد بناءً على طلبي، ذات غلاف بسيط لكن أنيق وجذّاب وبخامات عالية الجودة يشدّك للقراءة وهو ما حدث معي بالضبط، تقع في 64 صفحة متوسطة الحجم. دار النّشر بالمناسبة تعنى أساساً بنشر الموادّ البحثيّة والدراسات في مجالات عديدة، ورغم حداثتها فمطبوعاتها دائماً ذات جودةٍ عاليةٍ شكلاً وموضوعاً وبشهادة كثيرٍ ممن أعرف من قرائها، وكونها هي من ينشر هذه المجموعة القصصيّة، ولباحث فلسطينيّ، يعطيك فكرةً صلبة عمّا يجبُ أن تتوقّع في ومن هذه المجموعة، قصصاً وأساليب وأفكار.. أبحث بعضها معكم هنا بقليل من التفصيل (تحذير من حرق بعض القصص هنا لمن لم يقرأ.)

*****

كمقدّمة: – (والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلنا وإنّ اللهَ لمع المحسنين) (العنكبوت آية 69)

– (لَكَأنّني الأضداد في رَجُلٍ تُقاتِلهُ وحوشُ يديه..)  –شوقي بزيع

آية قرآنية كريمة تؤكّد لك صحّة الظنّ الأوليّ، ثم عبارة عامضةٌ كمدخلٍ للقصص، والتي تبدأ بـ..:

(عندما بدأ الشّيخُ زكريّا يضلّ طريقه إلى المسجد): قصة عديدة العناصر، فهي تبدأك بحادثةٍ غامضة تشعرك أنّك في مدخل قصّة بوليسيّة كلاسيكية تعتمد على الغموض والإثارة حتّى لحظة التنوير، ثم تسحبك القصة في هدوء إلى مغزاها الحقيقيّ: رمزيّة واضحة صارخة ممزوجة بلمسة محببّة من الفانتازيا، تتضح مع آخر سطور. الأسلوب هنا يبدو أكاديميّاً بحتاً إن صحّ لي التعبير، والقصّة بشكلٍ ما ذات نهايةٍ تقليديّة ولكنها مناسبة كبدايةٍ لما بعدها.

(خمسة سنتيمرات مربّعة من التيتانيوم): تناول للقضيّة الفلسطينيّة بعيون إسرائيليّة بحتة. وجهٌ جديد لم يره أغلبنا وبالتأكيد رآه المؤلّف بطريقةٍ أو بأخرى، وربما رأى من حقّ القارئ رؤيته، بذات عين الباحث.

(نظريّة اللعبة): أستطيع بسهولة أن أعدّها واسطة العقد، والأفضل في المجموعة، وأكثر قصصها تقديماً لمزيج (القصة/النظريّة) الذي يبدو أن المؤلف يبرع فيه، حيث تجد أساليب بلاغيّة وتشبيهات رائعة لكاتب عميق الثقافة والقراءات مثل (واظبتُ على اختراع (ما بينيّات) تقيني زمهريرَ الهباء). الصفحات الأولى من القصّة الطويلة نسبيّاً تصوّر للقارئ ببراعة واضحة ودقّة متناهية: صراع الإنسان المعاصر المفكّر ذي العقل الناقد في سبيل الخلاص من قيود مكانه وزمانه الخانقين وصراعات الحياةِ اليوميّة ومن كونه ترساً في الماكينة العملاقة، فيبدو عنصر الصراع في كرّه وفرّه مرات متتالية (كما في إلقاءه اللّومَ على نفسه حين لا يمكنه إلقاؤه على العالَم في إعلان ضمنّي بالهزيمة في جولة الصّراع).. تتقدّم القصّة فتشعر أن القصّة مكتوبة على أساس عنوانها، لا العكس! فكلّ أحداثها المنطلقة في الفانتازيا هي تجسيد لرؤية المؤلف لـ(نظرية اللعبة) أو شكل الصراع بين الإنسانِ والنظام وثورة الأول على الأخير. هي قصّة متميّزة بالفعل وتحتاج أكثر من قراءة لها، وبحثٍ شامل في بعض عناصرها كذلك.

سوبر جلو Super Glue : يعرف ويفهم المثقّفون جيّداً ثنائية (النظريّة والممارسة) والعلاقة الصّعبة بينهما، والمؤلف كمثقّف يحترم نفسه يقدّم رؤيته القصصيّة لتلك الثنائيّة ويسقطها على شخصيّة مثقف ثوريّ تقليديّ جداً قرر نقل نظريّاته إلى الواقع.. بطريقته الخاصة!

رائحة الدّيتول: صورة مطوّلة بالقلم لعبارةٍ واحدة: إما أن تكونَ خصماً لخصمك، وإما أن تكون خادماً له. تجسيم هذه الثنائيّة ها هنا صادمٍ قليلاً، لكنه ضروري جداً لإيضاح حتميّة هذا الصّدام وخطورة أن تبدأه رماديّاً، لتجد نفسك صرتَ بائع مبادئ وكلمات، ودين ربّما.. مجرّد خادمٍ آخر.. وأيّ خادم!

الشهداء لن يعودوا هذا الأسبوع: خيرٌ ختام للكتاب، موجعة وحزينة بِخُفُوت.. كأنما هي إهداء صامتٌ صادق للشهداء، الشهداء الذين لن يعودوا لأنّهم لا يُطيقونَ حياةَ العاطلينَ عن العَمَل.

 

رأيتُ في هذا الكتاب القيّم صغير الحجم، الكثير مما يُقال ويُقرا ويُبْحَثُ فيه بالفعل. الكاتب بوضوح: باحث، ثمّ قاصّ واسع القراءة. الكاتب مخلصٌ جداً لقضيّته قضيّة فلسطين، يقدّم لك مناحي عدّة للقضيّة، يترك لك أطرافَ خيوط، يعطيك إشارات تنبيه هنا وهناك، يقدّم لك (في سابقة نادرة) فائدة حقيقيّة لما يكتب من عملٍ أدبي يفترض به الإمتاع فقط عادةً، يجبرك على البحث وربما الإنتاج، يوقد ذهنك معه بكلّ موضوع مقدّم وكلّ عبارة ونظريّة مشروحة، ويشرح لك (نظريّة الثورة) في هدوء، ويبهرك بقوّة الكلمات كشكلٍ أدبيّ، وكنظريّات قد تكون مُغَيِّرة جداً إن وصلت لأرض الواقع وعُمِلَت في مكانها الصّحيح، وبذكاء.

(نظريّة اللعبة) هي حتّى الآن أفضل تجسيد حيّ رأيته لمزيج (القصّة/النظريّة/الفائدة) . بحثتُ عن أعمالٍ أخرى جيّدة للكاتب ولم أجد بعد، وأنا في الانتظار بشوق شديد :)

 

محمد الوكيل