على الخطّ بين أرْضَيْن.

3c5238385a3cf53d83290a297ce75aaf

(Source: https://www.pinterest.com/pin/466615211373550607/)

قبل زمن، وقبل أن أَلِجَ هذه الدوّامة، وضعتُ لنفسي –على مدخلها- تحدّياً: لن أتوقّف عن الكتابة ولا عن القراءة، ولن يشغلني السعي على المعايش والتيه في الحياة عن الكتابة، ستكون محراباً صغيراً آوي إليه، وستكون القراءة جبلاً يعصمني من ماء الحياة الآسن.. والأهمّ: لن أصير وجهاً آخر في الزّحام.

وأجدُ في نفسي علامات الانحدار إلى الفشل.. بصعوبة شديدةٍ أكتب، ببطء شديدٍ أقرأ، لا وقت وإن وُجِدَ الوقت فلا رغبة ولا مِزاج، الترجمة الحرّة هي كتابتي وقراءتي الوحيدة وأبداً لا أنكر نفعها العظيم، لكن لا غنى أبداً عن فلكي الذي أدورُ فيه ولو متباطئاً. غير ذلك فإنني أدون من أكون أحد أسنان الترس العملاق.

فلأواجه الحقيقة: أنا في الطريق لأصير وجهاً آخر في الزّحام، ما لم أفعل شيئاً، ما لم أُقاوِم. بأيّ طريق؟ أكتب طبعاً! ماذا أكتب؟ هذه التدوينة.. أقرأ.. ماذا أقرأ؟ “صرخة النورس” لإيمانويل لابوري، كتابُ لطيف خفيف ممتع، لا يخلو من لسعةِ الألم. أترجم.. ماذا أترجم؟ ما يقع في يدي من نصوص تابعةٍ لعملي.. أبداً لم أشعر أن هذا عمل، كل لحظة فيه هي متعة خالصة بالنسبة إليّ، تخيّل أن تفعل كلّ ما تحب بينما تعمل: تقرأ، تكتب، تتعلّم، تبحث وتستكشف، وكل ذلك يسمونه هم: عملاً! هو بهجةٌ حقيقيّة، وشيء وحيد نادر أستيقظ صباحاً كلَّ يومٍ لأجله.

هل أعتبر أنني فشلتُ في التحدي؟ أنا في مفرق الطرق، أو على الحدود بين الأرضين، تشدُّني كلّ أرضٍ إليها، ولأسباب قويّة في الحالتين للأسف.

عجيب أن يأتي على الناس زمانٌ يضطّرون فيه للمحاربة لكي يكونوا “بشراً” فقط.

 

محمد..

30 أبريل 2016

Advertisements

عالياً تطيرُ في الفضاء، وحياة حائرةٌ تبدأ.. (تقرير)

بسم الله..

أقتنص من الزمان لحظات، أسجّل فيها تقريراً لما حدث، ويحدث، وسوف يحدث. لم يحدث منذ شهور أن كتبتُ حرفاً واحداً يزيدُ عن منشورات الفيس بوك، وبضعة مذكّرات من الحين للحين، مذكّرات أكتبها كَنَفَسٍ سريع يلتقطه محتضر.

هذا أنا.. :)

ماذا حدث؟ تخرّجت. بعد 9 سنوات كانت فترة حبسٍ حقيقيّة. صرتُ الآن –يزعمون- طبيباً. لم تتغيّر كلّ أوراقي بعد، لكنني طبيب. أقسمتُ القسم صادقاً احتياطاً ليوم أن أعمل فعلاً، أنجزتُ أطناناً من الأوراق لم أنجزها في كل حياتي تقريباً، تسلّمتُ بعض الأوراق، على وشك استلام عملٍ ما في هيئة حكوميّة صحيّة ما، في طنطا، في سابقة لم أتوقعها طوال سنوات الكليّة: طالما كنتُ أتوقع ببساطة أن تكليفي سيرسلني إلى جنوب السودان كما كنتُ أردد شبه مازح. وهو ما لم يحدث بفضل الله. هذا غير مهمٍ فعلاً وأذكره من باب لفت نظر القارئ المعتاد.. أما ما يلفت نظري أنا؟

******

ما أزالُ أعملُ مترجماً.. يتحسن مستواي وبالتالي يتزايد العمل بإفراط أحياناً، لكن لا أمانع أبداً. يوم أقضيه في الترجمة أفضل عندي من 6 ساعات أقضيها في عيادة أو وحدةٍ صحيّة. يلومني الكثيرون وقد لا يعتدّون بالأمر بالمرة، وإن حدث فيقولون: ستكون هواية إلى جوار الطبّ. والحقّ يقال هي ليست بهواية، وإنما الطب هو الهواية هنا.

ما داعي ظنهم هذا؟ هي بلاد تقتل الأحلام بسهولة، تضعها تحت حذاءٍ عسكريّ ثقيل أو حقيبة ملأى بالنقود، فلا عجب أن يرى بعضهم اتّباع حلمك ضرباً من السخف وضياع الوقت، وفي أفضل أحوالهم محاولة بائسة منك لأن تبقى حياً، ومختلفاً.. ربما يغبطونك/يحسدونك عليها، وربما يهزأون أو لا يعتدّون.. والحقّ أنني توقفتُ منذ زمن عن اعتبار نفسي جزءاً من هذه البلاد. يريدون الأوراق؟ فليشبعوا بها، لا أعدّ نفسي جزءاً من هذا المكان، وليروا ما يرون وليشاءوا ما يشاؤون.

******

ماذا تظنّ؟ لا أقرأ كثيراً. 10 كتب في 4 شهور ليس بالعدد الكثير أبداً.. لا أكتب وهذا هو أطول نص أكتبه منذ شهور.. لماذا؟ الأسباب واضحة وشرحناها أعلاه. أنتزعُ نصيبي من القراءة بكثيرٍ من العسر في دقائق معدودة من اليوم، أو من نصوص الترجمة أو من الأوراق الحكوميّة، ونصيبي من الكتابة من الترجمة أيضاً. الترجمة شغفي وعشقي قبل أن تكون عملاً للكسب، لكنها –للأسف- وزنٌ ميّت في ميزان الكتابة.. ما أكتبه ليس كلماتي، وهو –لذلك- كفيلٌ بخنقِ كلماتي أنا إلى أمدٍ معدود.

لا كثير من الموسيقى.. لا لشيء سوى حالةٍ من السأم.

أحاولُ أن لا أسجن نفسي في المنزل أو في دائرتي كثيراً، محاولاتٍ فاشلة في الغالب. أفكر جدياً في البدء باعتبار نفسي ذئباً متوحداً إلى الأبد، لكن شيئاً ما داخلي يرفض. للأسف ما زلتُ لا أستطيع.

أمارس رفع الأثقال وأنحت لنفسي جسداً أقوى وأفضل بكثير.. نعم، أنا أصيرُ أقوى. لن أنكر أبداً خطأي في الاكتفاء بمحاولة تربية العقل والروح.. أحياناً يصل الأمر لنقطة التنافر التامّ: يظلُ جزءٌ من نموّك موقوفاً ومن نظرتك للحياة مغمّى ما لم تسمح لنفسك بتنّفس أفضل وحركة أسرع وغذاءٍ أنقى. شغف آخر لا أسمح لأي شيء بمنعه.

******

ظني أن هذا التقرير لن يكون الأخير ولن يكون بعده توقّف آخر. أشعرني عدتُ للحياة وللتنفس. فلك الحمدُ يا خالق الكون السرمديّ.

محمد..

4 أبريل 2016